خليل الصفدي
51
أعيان العصر وأعوان النصر
صدر الدين بن الوكيل والشيخ شمس الدين بن عدلان ، حتى قيل في ذلك : ( البسيط ) ومن يكون ابن عدلان مدبّره * وابن المرحّل قل لي كيف ينتصر وكتب عهده عن الخليفة ، وركب بخلعة الخلافة السوداء والعمامة المدورة ، والتقليد على رأس الوزير ضياء الدين النشائي « 1 » ، وناب له سلار ، واستوسق له الأمر ، وأطاعه أهل الشام ومصر ، وحلفوا له في شوال سنة ثمان وسبعمائة ، ولم يزل إلى وسط سنة تسع ، حصل للأمير سيف الدين نغاي « 2 » وجماعة من الخواص نحو المائة ، وخامروا عليه إلى الكرك ، فخرج الناصر من الكرك ، وحضر إلى دمشق ، وسار في عسكر الشام إلى غزة ، فجهز المظفر يزكا قدم عليهم الأمير سيف الدين بلرغي « 3 » ، فخامر إلى الناصر ، فذل المظفّر وهرب في مماليكه نحو الغرب ، ثم إنه رجع بعد ما استقر الملك الناصر في قلعة الجبل ، فذكر أن قراسنقر ضرب حلقة بالقرب من غزة ، لما خرج من مصر نائبا في دمشق ، فوقع في الحلقة الجاشنكير المذكور ، ومعه نحو ثلاثمائة فارس ، فتفرّق الجماعة عنه في الثامن من ذي القعدة سنة تسع وسبعمائة ، رجع بنفسه معه على الهجن إلى مصر والأمير بهادر آص ، فوصلا به إلى الخطارة ، وتسلّمه منهما الأمير سيف الدين أسندمر ، وردّهما لأن السلطان كان قد جهّز يقول للجاشنكير : تروح إلى صهيون ، فهي لك ، فتوجّه في البريّة ، فوقع به قراسنقر ، وكتب إليه ، فيما بلغني ممن له اطلاع : الذي أعرفك به أنني قد رجعت إليك ؛ لأقلّدك بغيك ، فإن حبستني عددت ذلك خلوة ، وإن نفيتني عددت ذلك سياحة ، وإن قتلني كان ذلك شهادة . ومات - رحمه اللّه تعالى - سنة تسع وسبعمائة ، وقيل : سقاه سمّا فهلك من وقته . وعلى كل حال فما جاشت نفس الجاشنكير ولا جشأت ، ولا عبأت بوارد الموت ولا خسأت . عمّر الجامع الحاكمي بعد الزلزلة ، ووقف عليه الأوقاف والكتب النفسية الكبيرة ، وكتب له ابن الوحيد « 4 » ختمة في سبع أجزاء بقلم الأشعار ذهبا ، أخذ لها ليقة ألف وستمائة دينار ، وزمكها وذهبها صندل المشهور ، وغرم عليها جملة من الأجر ، وما أظن أنه بقي يتهيأ لأحد أن ينشئ مثلها ، ولا من تسمو همّته إلى أن يغرم عليها مثل ذلك .
--> ( 1 ) ضياء الدين النشائي هو : أبو بكر وقد أورد له المصنف ترجمة في موضعها من حرف الباء . ( 2 ) نغاي هو : الأمير سيف الدين الجمدار ، وقد أورد له المصنف ترجمة . ( 3 ) سبقت ترجمته . ( 4 ) ابن الوحيد شرف الدين محمد بن شريف ، وقد سبقت ترجمته .